محمد بن جعفر الكتاني
385
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وبفاس نشأ في حجر أبيه ، مقبلا على ما يعنيه ؛ فقرأ القرآن ، ثم أخذ في العلوم ؛ فقرأ شيئا [ 337 ] منها على أبيه ، وعلى قريبه الشيخ أبي عسرية محمد بن أحمد بن يوسف بن أبي عسرية بن علي بن يوسف الفاسي ، ثم لما خامرته نشوة التحصيل ؛ انشال في طلب التحقيق إلى مجلس كل شيخ جليل ، فاعتمد في العربية : أبا العباس الوجّاري ، وأبا عبد اللّه العراقي الحسيني . وفي الكلام والأصلين والبيان والمنطق والتفسير : أبا العباس ابن مبارك ، وفي الفقه والحديث والتفسير أيضا وغيرها : أبا عبد اللّه محمد بن عبد السلام بناني ، وأبا عبد اللّه جسّوس . كما اعتمد في رواية الحديث بأقرب أسانيده : أبا الحسن عليا الحريشي ، وكتب له بالإجازة المطلقة محقق الشافعية وشيخ الطريقة الخلوتية : أبو عبد اللّه محمد ( بالفتح ) بن سالم الحفناوي ، وجه بها إليه من مصر . ولما تضلع بالعلوم ، وتبحر في الفهوم ، اقتصر على شيخ الجماعة أبي العباس ابن مبارك ؛ فلزمه إلى أن صار علامة الدنيا ، ويده في المشكلات هي العليا ، بحرا زخارا ، حبرا نظارا ، جامعا لأدوات الاجتهاد ، مائلا إليه في الحكم والاعتقاد ، يرد على أئمة المذاهب ، بالدليل الواضح والاعتبار المناسب ، بالغا غاية الأرب ، في تحقيق العلوم الشرعية وغيرها من علوم الأدب ، وكان علمه منوطا بالاستقامة ، مؤسس البناء على الخشية والاستكانة ، كأنه الشمس في سماء اللطائف ، تنبعث عنها أنوار المعارف ، يحسن الظن بالناس ، ويغلب الرجاء على اليأس ، ويلتمس الخير في المنسوبين ، من السالكين والمجذوبين . زوارا للأولياء ، من الأموات والأحياء ، فانتفع بجملة منهم في مداواة القلوب ، مما يداخلها من أمراض العيوب ؛ كالقطب مولاي أحمد الصقلي الحسيني ، والعارف باللّه سيدي العربي ابن عبد اللّه معن الأندلسي ، والغوث سيدي علي الجمل . . . وغيرهم ممن يكثر جدا في فاس وغيرها . وكان كثير المودة لآل البيت الكريم ، قائما بما يجب لهم من الإجلال والتعظيم ، ناصحا في الدين أمينا ، قويا في حب الخير متينا ، ذا هيبة وسكينة ووقار ، مظهرا لجلالة العلم وماله من الرفعة والفخار ، منقبضا عن مخالطة الأمراء ، مباعدا عن الرؤساء والكبراء والوزراء ، جميل الصفح ، ظاهر الفتح ، فمن ثم تطارح القوم عليه ، في الأخذ والانتساب إليه ، فكانت تلامذته في نفوذ الملكة خالص الإبريز ، كل واحد منهم منصوب في التحقيق على التمييز . وبالجملة : فهو آية اللّه الكبرى ، في همم لا ترضى الجواز بالجوزاء ولا العبور مع الشعرى ، عمل فيما تركه أسلافه من تراث الفضائل ، فأجاد اللّه عليه بالأرباح فيها ما استغنى به عن الأواخر والأوائل [ 338 ] .